إتخاد القرارات عن طريق تصويت القاعدة
نحو مقاربة أكثر إيجابية وديموقراطية لتدبير الشأن المهني لمهنة المحاماة
نتحدث بشكل دائم عند تطرقنا لوضعية مهنة المحاماة عن الجوانب السلبية و الأزمات و الانقسامات و تبادل الاتهامات إلى حد التخوين ، و يتم تحميل المؤسسات المهنية سواء جمعية هيئات المحامين بالمغرب أو النقباء و أعضاء مجالس الهيئات المسؤولية المطلقة عن الوضع على اعتبار أن تعاملهم يكون دون مستوى التطلعات مع الملفات الكبرى التي يمكن تؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على مهنة الدفاع ، و تمسها في جوانبها القانونية و الحقوقية و الاجتماعية و المالية ، كما أنه لا يكون بالحزم و الصرامة الذي يخدم المصالح المهنية الكبرى . بل إن هناك من يعتبر أن هناك نوع من السلبية و الإنبطاح غير المبرر في مواجهة السلطة الحكومية المكلفة بقطاع العدل و أيضا في مواجهة القضاء الذي إنتزع استقلاليته و أصبح قويا و مهيمنا و يحاول أن يبسط هيمنته على جميع المهن الحرة المنتمية لقطاع العدالة و من بينها مهنة المحاماة .
لكن ، و بغض النظر عن هذه المقاربة السلبية و التشكيكية و الإتهامية لمؤسساتنا و نقبائنا ، و التي تنظر فقط إلى النصف الفارغ من الكأس . لماذا لا نغير المقاربة و نكون إيجابيين و نحاول إبتكار حلول جدرية لهذا الوضع غير المرضي إنطلاقا من إقتراحات نظرية و عملية تساهم في تحقيق طموحات جميع المهنيين ، و تخفف العبئ على مؤسساتنا المهنية التي أصبحت إتهامات سوء التدبير و عدم مراعاة مصلحة الزملاء و السلبية المطلقة ، أوصاف قدحية مرتبطة بتدبيرها و تسييرها للشأن المهني العام . و لماذا لا يمكن أن تشارك هذه المؤسسات المهنية القواعد في الحسم في القرارات و التدابير الكبرى ، إنطلاقا من مقاربة تشاركية تروم إضفاء مشروعية قاعدية على قراراتها من أجل أن تكون أكثر قوة و تستطيع أن تواجه بها باقي الفرقاء الرسميين و غير الرسميين بشكل أكثر شجاعة و بسالة إنطلاقا من قوة الاجماع التي تكون لهذه القرارات.
إنه من الواضح الذي لا خلاف عليه أن الهيئات المهنية التي أصبحت منشغلة بتدبير الشأن المهني الداخلي ، و لا تقدم أي مساهمة مجدية و فعالة في تطوير و تقوية مهنة الدفاع على المستوى العام . و أيضا جمعية هيئات المحامين بالمغرب التي فشلت في تحمل المسؤولية المهنية و الأخلاقية للدفاع عن مصالح الزملاء و الزميلات من خلال غياب أي مواقف قوية و حاسمة لها في العديد من المحطات و التدابير التي تم إقرارها من الجهات الحكومية و التي من شأنها الإضرار بشكل مباشر و غير مباشر بمهنة الدفاع . و بالتالي فإن الجانب المؤسساتي لم يعد يعول عليه كثيرا في الدفاع عن المصالح الكبرى لمهنة الدفاع ، و يمكن التدليل على ذلك بموضوع الضريبة الذي إتخدت فيه الجمعية قرارا بالتسوية ، لكنه وجد معارضة الأغلبية الساحقة للمحامين التي رفضت هذا الحل المقترح الذي كان عبارة عن صيغة توافقية بين الجمعية و إدارة الضرائب . و ليس هذا هو الموضوع الوحيد الذي فشلت الجمعية في تمثيل المحامين و الدفاع عن مصالحهم فيه و لكن هناك قضايا أخرى ذات طبيعة قانونية حقوقية و إقتصادية و إجتماعية لم تفلح في الحصول فيها على مكاسب مهنية تكون موضوع إرتياح و قبول من لدن قاعدة المحامين .
و هذا الوضع يجعلنا نطرح عده تساؤلات مرتبطة بمجال تدخل المؤسسات المهنية و أدوارها و إختصاصاتها ، و مجال تحركها الذي يمنحه لها القانون و الواقع . فهل ما تقوم به جمعية هيئات المحامين بالمغرب و باقي المؤسسات المهنية هو أقصى ما يمكن القيام به ، و بالتالي فإن الإشكال بنيوي و هيكلي و ليس مرتبط بالأشخاص الذين يتحملون المسؤولية بناء على انتخابهم من طرف القواعد المهنية ، و أن الأمر يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى البحث عن إطار مؤسساتي أقوى و ذو إختصاصات تقريرية مثل مجلس وطني للهيئات الذي جاء ضمن توصيات ميثاق إصلاح منظومة العدالة أو أي إطار مؤسساتي آخر يكون أكثر قوة و حسما من الناحية الواقعية و العملية و يكون بعيد عن الجمود و الشكلية ؟ أم أن هذه المؤسسات المهنية و على رأسها الجمعية تضع رأسها في التراب و لا تقوم بممارسة الأدوار و الإختصاصات الممنوحة لها بقوة القانون و بقوة المشروعية الإنتخابية القاعدية التي تمتلكها ، و أنها يمكن أن تقوم بأدوار و إختصاصات تملكها و لكنها تعطلها ، ناهيك عما يمكن أن تقوم به من نضال واقعي عبر القيام بإضرابات و إحتجاجات مستغلة المشروعية الرمزية لمهنة الدفاع ، و المشروعية الإنتخابية التي تجعل القاعدة متأهبة للتماهي مع المؤسسات في المواقف النضالية الكبرى . و قد سبق أن استعمل هذا الاسلوب من طرف جمعية هيئات المحامين بالمغرب إبان رئاسة النقيب حسن وهبي الذي دعا الى القيام بمسيرة إحتجاجية ضد ما تضمنه مشروع ميثاق منظومة العدالة من مقتضيات تمس مهنة الدفاع . و اذا كان هذا الاسلوب فشل في ثني وزارة العدل عن تعديل مشروع الميثاق أو إشراك الجمعية كفاعل أساسي في صياغة مضامين الميثاق ، إلا أنه نجح نجاحا باهرا في توحيد الصف المهني و تعزيز قوة الانتماء إلى مهنة الدفاع كمهنة مهمتها الأساسية النضال من أجل حماية الحقوق و المصالح الفردية و الجماعية .
أمام هذا الوضع الذي لا يزيد مهنة الدفاع إلا تأزما و تشردما ، و أمام عدم بروز أي مؤشرات من أجل إصلاح الوضع و المضي قدما بمهنة الدفاع ، في إتجاه منحها المكانة و القوة و التأثير الذي تستحقه . يمكن إقتراح العديد من الحلول التي يمكنها المساهمة في الإصلاح الجدي و الفعال . لكن يبقى أهم إقتراح هو المتعلق بتحمل القاعدة مسؤولية القرارات الكبرى المتعلقة بمهنة الدفاع ، و ذلك عن طريق منحها إمكانية قانونية تجعل أي قرار خاضع لإرادتها المباشرة عن طريق الإستفتاء و التصويت ، و ليس غير المباشرة عن طريق النقباء و أعضاء المجالس كما هو عليه الأمر الآن . نعم التدبير و التسيير العادي يمكن أن يبقى تحت إمرة المجالس و النقباء ، و لكن القرارات الكبرى المتعلقة بالجانب الحقوقي و القانوني و الاجتماعي و المالي يستحسن أن تعرض على القواعد أو الجمعيات العمومية من أجل التصويت عليها مثل القرارات المتعلقة بالتعديلات القانونية سواء في قانون المحاماة أو في باقي القوانين المسطرية المرتبطة بمجال عمل المحامي و قوانين أخرى كمرسوم المساعدة القضائية … الخ ، و أيضا القرارات المرتبطة بالجانب الضريبي و المتعلقة بالجانب الإجتماعي و القرارات المرتبطة بالتدابير ضد المكونات المهنية الأخرى التي تضيق عمل المحامي ، و القرارات المتعلقة بطرق محاربة ظاهرة السمسرة و توزيع الملفات و التقاعد و التغطية الصحية و ما إلى ذلك من قرارات تهم الشأن المهني بصفة عامة . و هذا الأمر سيحقق الكثير من الفوائد سواء من جهة ترسيخ الديموقراطية المباشرة داخل الجسم المهني ، أو من جهة تخفيف الضغط على المسؤولين في مؤسساتنا المهنية و القضاء على الإحراج الذي ينتابهم أثناء إتخادهذه القرارات الكبرى ، و الناتج بالأساس عن مراعاتهم للتوازنات المفروضة من لدن الجهات الرسمية التي تدبر قطاع العدالة . و رب قائل يقول أن هذا المقترح سيفرغ الإنتخابات المهنية و إنتخابات مؤسسة النقيب من محتواها ، مادام أن القواعد هي من ستتخذ القرارات بالتصويت المباشر ، كما أن هذا الحل سيكون مكلفا من الناحية المالية و اللوجيستية ، و سيجعل الكثير من الوقت و المال و الجهد يضيع من أجل إتخاد قرارات من المفروض أن هناك مؤسسات مهنية من المفروض أن تتخدها و تحسمها . لكن جوابا على ذلك ذلك يمكن التأكيد أن هذا الحل هو مقترح بالنظر للفشل الذريع الذي تعرفه قرارات المؤسسات المهنية على المستوى العام كما تم توضيحه أعلاه ، و أيضا لأن الأمر ممكن من الناحية العملية و غير مكلف بالمرة ، لا سيما اذا تم اعتماد التصويت الإلكتروني بحيث يكون لكل زميل و زميلة قن الكتروني سري خاص يستعمله عندما يتم عرض تدبير أو قرار على التصويت ، بنفس الطريقة التي يلج بها الزملاء و الزميلات للإطلاع على حساب الودائع الخاص بهم لدى الهيئات المهنية . كما أن هذا المقترح يستمد مشروعيته و جديته من المجال السياسي و من الديموقراطيات العريقة و المتقدمة التي تلجأ إلى الديموقراطية المباشرة عن طريق التصويت المباشر أو الإستفتاء للحسم في مصير قضايا ذات أهمية كبرى . و من بين هذا الدول نجد النظام السويسري الذي يلجأ إلى هذه التقنية و التي جعلت من دولة سويسرا أكثر الدرل تقدما على المستوى السياسي و الديموقراطي و الإقتصادي .
من الأكيد أن هذا المقترح قد يبدو صادم للبعض ، و غير واقعي بالنسبة للبعض الآخر ، إلا أنه من وجهة نظري يبقى حل قابل للتطبيق بعد مناقشته على نطاق واسع و تطويره و تحديد آلياته و مساطره ، و هو بصيغة أخرى صيغة معدلة و متطورة لمقترح منح الجمعيات العمومية للمحامين إختصاصات أوسع و ذات طبيعة تقريرية و عدم إنفراد النقيب و المجلس بها . و أظن على أن هذا المقترح من الممكن تبنيه و الدفاع عنه من أجل أجرأته على مستوى الواقع ، و أيضا من أجل دمجه تشريعيا قي قانون المحاماة ، لا سيما أن مسودة القانون مازالت ترواح مكانها داخل سراديب وزارة العدل ، و نتوجس من التعديلات التي يمكن أن تدرج فيه لا سيما أن المؤسسات المهنية لم تكن مشاركتها و لا مقترحاتها و لا قراراتها بهذا الخصوص قي مستوى تطلعات القاعدة.
بقلم د/ خالد الإدريسي









