يطفو إلى الواجهة، بين الفينة والأخرى، ما بات يُعرف إعلاميًا بقضية “ولد الفشوش”، كواحدة من أكثر القضايا التي هزّت الرأي العام وأربكت النقاش العمومي، ليس فقط بسبب فداحة الجريمة التي راح ضحيتها الشاب بدر، رحمه الله، بل بسبب الطريقة التي جرى بها تحويل الإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي إلى ما يشبه “قضاءً موازيا”، سبق القضاء الجالس والواقف في إصدار الأحكام.
منذ اللحظات الأولى لانتشار الفيديو الموثق بالكاميرات، اشتعلت منصات التواصل الاجتماعي، وجرى “تجهيز الحكم” بسرعة قياسية، ليس استنادًا إلى مسار البحث القضائي، بل بناءً على خلفية اجتماعية للمتشبه به، وكون والده رجل أعمال معروف. وهكذا، انتقل النقاش من البحث في الوقائع إلى تصنيف اجتماعي جاهز: “ولد الفشوش”، بما يحمله المصطلح من شحنة غضب، وسوء ظن، وإدانة مسبقة.
غير أن المبدأ الدستوري والقانوني الواضح، الذي لا يقبل التأويل أو الانتقائية، هو أن لا حكم قبل البحث، ولا إدانة قبل المحاكمة. فالتحقيق في هذه الجريمة، التي هزت الرأي العام بلا شك، يبقى من اختصاص الشرطة القضائية تحت إشراف النيابة العامة المختصة، وفق الضوابط التي يحددها القانون، وليس وفق ما تفرضه “الترندات” أو حملات السب والقذف.
صحيح أن الفيديو الموثق وثّق لحظة اعتداء، لكن توظيفه خارج سياقه القانوني، ومع وجود تناقضات في محاضر الضابطة القضائية وشهادات بعض الشهود، يفرض مزيدا من التريث، لا مزيًا من التهييج. فالقضية، إلى حدود الساعة، لا تزال رائجة أمام القضاء، وكل ما عدا ذلك لا يعدو أن يكون اجتهادا إعلاميا أو انفعالا جماهيريا قد يُخطئ بقدر ما يدّعي الدفاع عن الحق.
إن ما يطمئن الرأي العام اليوم، ليس الضجيج، ولا الضغط، ولا رفع الشعارات، بل استقلالية القضاء وقدرته، بما خول له القانون من صلاحيات، على احتضان هذا الملف والبث فيه وفق ما يمليه الضمير القضائي، لا وفق ما تمليه عناوين المواقع الإلكترونية أو حملات السوشيال ميديا التي خاضت في هذا الملف في اتجاه واحد، دون الإحاطة بجميع معطياته، ودون انتظار ما قد يُستجد من وقائع وأدلة.
ويبقى السؤال الجوهري الذي ينبغي طرحه بهدوء ومسؤولية:
إلى أي حد ستُفعل قرينة البراءة في هذا الملف؟ وهل سيتم تفسير الشك، كما ينص القانون، لفائدة المتهم أشرف، إن وُجد شك؟ أم أن ضغط الشارع سيُحوّل المحاكمة إلى مجرد تصديق لأحكام جاهزة سلفًا؟
لسنا هنا في موقع المحاماة، ولا في موقع المراقبة الدولية، بل في موقع الكتابة من أجل ترسيخ العدالة الحقيقية؛ عدالة لا تُدار بالانفعال، ولا تُصنع بالهاشتاغات، ولا تُقاس بالألقاب الاجتماعية، بل تُبنى على الوقائع، والأدلة، وضمانات المحاكمة العادلة.
إن احترام القضاء، وعدم الضغط على قضاته، هو في حد ذاته دفاع عن حق الضحية، بقدر ما هو حماية لحقوق المتهم. فالقضاة، الذين يشتغلون ليلًا ونهارًا في صمت، لا يحتاجون إلى محاكم الشارع، بل إلى الثقة في أن العدالة، مهما تأخرت، لا يجب أن تُختطف.
وفي انتظار كلمة القضاء، يبقى الاحتكام إلى القانون، لا إلى الغضب، هو السبيل الوحيد لضمان عدالة للجميع… دون استثناء.









