أسامة أماني يكتب قصته القصيرة بعنوان “ريان الأب”

أسامة أماني يكتب قصته القصيرة بعنوان “ريان الأب”

الصوت المغربي/ أسامة أماني

حين أحب ريّان فتاة كانت مصدر إلهامه في الكتابة والشعر، فخطط لها إحدى القصائد لا يدري ما إذا كان سيستطيع الإحاطة ببحور لغتها العميقة التي تركته يسبح بين أمواجها العاتية وتجربته البدائية، ليجد نفسه وسط حروف وأبيات عالية تكاد ترخي ظلالها في سطورٍ موحّدة بالروي والقافية. أخيراً وضع القلم في يده ليفرغ ما أشرقت له شمسه من ضياء شعاعها أحمر اللّون، أعاد الكرة مرّات مرّات حين بدّل السكون بالضمّة وشطّب على بعضها واضعاً أخرى محلها، لقد استلهم ذلك من رؤيته الصغيرة التي أوجست في نفسه خيفة عندما فكر أنها ستمر مر السّحاب لو لم يثني على جماليتها، حينئذ بدأ يجول بكلمات مكلماً روحه الحانية، يستشعر قدوم العاصفة المزيلة للدهشة بعد هذا الهدوء.

received 327991821229099  - جريدة الصوت المغربي

إنّ البدايات بطبيعتها تترك مجالاً للإرتباك لكن سرعان ما تمضي مخلفَّة موجة من “التزعم” كيفما كانت الرغبة تكون حيثياتها جريئة إلى أقصى درجة.

هاهو ريان انفرد بورقته البيضاء واضعاً أحرف ستنقله بلا شعور إلى ما وراء الطّبيعة، حيث كانت أول جملة بدأها محدثا تفاصيل رؤيته على شاكلة :

-إِنِّي أَرَانِي أَتَحَدَّثْ وَإِنَّ حَدِيثِي وَلاَءُُ

أدرك أنه وضع يده على بيت القصيد لتتطاير شيئا فشيئا المحاولة في الإنسحاب، شعر في لحظة ما أنه سيكتب مائة سطر من خلال هذه الجملة التي كتبها، مدركاً أنّ البداية دائماً صعبة لكنها ستنفك عقدتها الواحدة تل والأخرى إذا استمر على نفس المنوال، ماذا يعني بإني أراني أتحدث يا ترى؟ وماذا عن حديثه الذي وصفه بالولاء؟

أتم معاني القصيدة في سطرها الثاني المقابل مع الأول مجيباً على سؤاليه بمايلي :

-وَمَا كَـانَ لِلتَّحَدًّثِ جَمَـالاً إلاَّ رَافَقَ مَلِكَة الأَسْمَاء

هنا استهل ريان مشواره الكتابي بالشخصية الثانية عبّدت له الطريق في المواصلة على إيجاد الحلقة المفقودة من هذا الحوار الشبه ثنائي، يرى تارة أنه في نقاش مع نفسه ثم يرى أن هذه الأخيرة تارة أخرى على موعد مع روح ثالثة تحدثها في الخفاء، ليتفقدها في حياء من هول أولى الخطوات حين أردف قائلاً:

-فَجُلْتُ مَكَانِي بِانْحِنَـاء وَرُوحِي حَبِيسَتِي تَحْتَ الغِطَاء. 

-وَرُؤْيَتِي فَاقَتْ السَّمَـاء حَامِلَة لِعَنَاء الشَّوْقِ دُونَ سَخَاء. 

received 1159070610932698  - جريدة الصوت المغربي

فراشه كان في ظلمات الّليل مسرحاً للرّؤية التي كانت فضاء يلاقي أنامله، سعد بذلك لما يخبؤه من شقاء واشتياق عندما ازدادت في الأولى أحرف من الثانية عانقتها ونفضت عنها غبار الشرود، ليزداد إلهاماً عندما تفتحت له أبواباً حمل أكثر من مفاتيحها، رأى أنه يداعب الكلمات في سطور؛ يأخذ بهم إلى حيث يريد كالذي يرقص مبدعاً في خشوع غير مبالٍ بالجمهور، ربّما لأن صورة المشهد الرّاسخة في ذهنه تزيد من احتمالية الكتابة أكثر أو أن انغماسه في أمواجها باحثاً عن طريق يرشده للصواب كان له دور في إيجاد السباحة وعدم الرجوع إلى الخلف.

باح بالكثير ولكن لم يَبُح بعد بمن باحت لها معالم القصيدة تاركاً شيء من الغموض.

نعم أدرج ملكة الأسماء في أولى سطوره لكن دون الخوض في تفاصيلها الطويلة، وقراءة سطورها المشوقة التي ستأخذك إلى مدينتها الصغيرة حيث لا قوانين تسودها ولا أناس تجولها باستثنائهما، لا صوت يعلو فوق صوتها حين تناديه بنداء الوطن لجنوده عند الاقتضاء، ليصف ذلك مجيباً :

-تُنَادينيِ كُلُّ صَبـاحِِ وَمَسَـاء كأنَّكِ وطن يَفْرض الوَفَـاء

-كَأَنَّكِ مــاء ومَـاقِيـل عَنْهُ فِي سـورة الأَنبِيَّــاء

-لَيْسَ كُلُّ قَرِيبِِ قَرِيب وَلاَ كُلّ بَعِيدِِ بَعِيد وَأنَتِ كَأَنَا سَوَاءُُ

-إِنِّي بَعِيدُكِ القَرِيب وَأَنْتِ قَرِيبَتِي البَعِيدَة فَكُلُُّ مِنّا لِمَوْطِنِهِ انْتِمَاء

كانت هذه الفترة عنواناً للنّداء والبعد والانتماء، بالرغم من أن ذلك لا يعني سوى الإشتياق، فالبعيد أشدّهم قرباً لريان من الأقرباء أنفسهم، كما لو تمضي الحياة حاملة للأرواح تاركة للأجساد، تكاد تلقي بهم الرياح، تكاد تجمعهم الأصفاد.

-وأََيُّ أَعْبَـاءِِ تَعْتَـرِضُ سَبِيـلِي فِي عَـالَمِكِ المَلِيء بِالصَّفـاء

“فبينهنّ تمشي أنتِ تتركي بصمة قدميك بيضاء يراها من أعلى السطح، تميزكِ عن المتشابهين.”

-وأُنـُوثتكِ التّي تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَـاء سَرَقَتْ مِنِّي قَلْبُُُ وَرُوح وأَشْلاَء

مرّ أحد عشر بيتاً وكان في بيته أبوه كثير التصفّح عندما احترف شيئاً من “الفايسبوك”، ليقرأ قصيدة نجله ريان عندما أدرج الأخير على موقعه التواصلي أجزاءها، وأتاه في صحبة هاتفه، مرتلاً لحروفها، ساخراً من شدّة الغزل تحت لوائها، مشيداً بكلماتها، مسقطا وجه ابنه ليس من فرط الخجل إنما لم يعي أنّ والده قد رأى فعلا تلك العبارات بهذه السّرعة وهيّ تتراقص بين دروبها الوردية، ارتسمت في وجهه ابتسامة ثم تساءل:

-قصيدة جميلة ريان.. من هذه الفتاة التي أخذت قلبك؟

فضحك ضحكة وقال:

شكرا.. إنّ القصيدة من وحي خيالي.

حاول إخماد القليل من النار تفادياً للإحراج رغم أنّ الأمر لا يتطلب كل هذا نظراً للعلاقة التي تجمعهما، ليشاهد أنه ليس من الضروري إخباره بكل شيء، بل لا أحد يعرف لمن موجهة باستثناء المعنية بالأمر، الأهم يا أبي أنك قرأتها وعرفت أنني كاتبها.

“الآن أعرف لماذا قال نزار قباني، لقد كنت أكذب من شدّة الصدق.”

-حسناً أعجبني أسلوبك، كنت قد شعرت وكأّنك فعلاً تصف مشهداً عشته.

إنّ الشعراء والفلاسفة والممثلين يا أبي يتقمصون الأدوار كما لو أنهم بالفعل يعيشونها. تخيل أنّني مثلهم وتباً لتواضعي!

فتملكه الضحك ثم قال له :

-ظننتك الشّاعر الولهان فارس الأحلام.. رائع واصل بالتوفيق.

 

بعيداً عن هذا وليس بعيد في الماضي كان ريان صغيراً وهو يشارك والده كتاباته تلف حول مواضيع مختلفة عن هذه لا من حيث الشكل ولا من حيث المضمون،كان يكتب على المجلّة الحائطية بعضا من أخباره المتنوعة المضحكة آخذاً شكلها من الجريدة، تاركاً لنفسه المجال لكتابة التفاصيل،ثم ينتظر أباه حين يأتي من العمل ليعرض عليه ما كتب منتظراً تعليقه كما ألف ذلك، وإذا أتى جلس معه وهو يقرأ في صحف بيضاء بعضها تثير شهوة القراءة، وبعضها الأخر تحمل إعوجاجاً في السطّور، مصححاً بذلك الكثير من الأخطاء الإملائية التي كانت تتهاطل كالشتاء حين سبقت العزيمة الإرادة والتعلّم مخلفة لموجة من الكوارث الطبيعية.

ريان الماضي يختلف قليلاً على ما هو في حاضره، صحيح أنّه خبّئ قصته ولم يقصّها على أبيه أو ربّما عن لا أحد خوفا أن تطال عين خبيثة مجرى إيقاعه كما ورثنا من التقاليد التي نتنفسها أكثر من الدين، والمعروف في طبيعة الأشياء الجميلة لا يعرفها الناس لكن ما خفيّ كان أعظم بالنسبة له وما يرتوي بين قفص صدره من حب كرئة الأوكسجين في كوكب المشتري، حين أغنته عاشقة ”النّيستلي” عن العالم وما بث فيه، لازال يتذكر يوم أمسك بيدها إلى خشبة المسرح، يتذكر موعد لقاؤه بها عندما مرّت من عينيه غرة الشعر مقصوص على جبينها والنظرة الأولى التي كانت كفيلة بقلب معادلات ”اينشتاين” النسبية، إذ على خلفيتها أذكر يوماً كان ذاهباً إلى الإمتحان وسقط منه القلم ليلتف إليه ويجدها قد حملته كأنّها تعطيه جرعة أمل في سبيل التوفيق، ليقول لها شكراً لكِ ويقول في نفسه شكراً أيضاً للجاذبية التي أوقعت القلم أرضاً حتى كتب لنا لقاءً لم يتعدى في الواقع ثواني معدودة، وتعدّى في الخيال ساعات ساعات على خلفية الإبطاء الزمني القريب من سرعة ضوءك.

لقد خاطبها ليطمئنا بنبرة صامتة، إذا باحوا الطلاق فلا ثمة انفصال بيننا، وإذا باحوا التّعدد فإني أرى فيك مثنى وثلاث ورباع وإن أكون عادﻻ مع نفسي.

-رؤية ريّان في القصيدة كانت عبارة عن حلم جمعهما في لقاء وهي رؤية آتت داخل سنتين من الغربة والبعد بينهما، أملاً أن تسير على خطى رؤية يوسف حين رفع والديه في العرش ويجعلها ربي حقاً.

وقد أتم قصيدته على هذا النحو قائلاً:
-وَرَجَوْتُ رَبِّي فِي الخَفَاء أَنْ يَجْعَلُكِ نَصِيبِي حَتَّى الفَنَاء

-تَـالله ﻷَجِدُ عَيْنَيْكِ كُلَّماَ أَقْذِفُ بِهَا فِي أَعْيُنِ الغُرَبَـاء.

حين كان ريّان صغيراً إلى أن بلغ أشدّه، لم يكن حلمه نابع من أن يصبح شاعراً، بل فقط يهوى الكتابة على أشكالها المختلفة، كانت أمنيته في امتهان الصحافة لارتباطها الجوهري بالوصف والإبداع إتماماً لرسالته الصغيرة، والجميل في الأمر أنّ للأحلام طابع غريب حين تحققها فأنت قد وصلت إلى هدفك، وإذا لم تحققها ستمنحك شيئاً عظيماً عند ذهابها، كذلك حلم الصحافة الذي منح لريان حب الكتابة، إذ بواسطتها عبّر عن قصته مع الفتاة التي كانت مصدر إلهامه في القصيدة وعن والده السند “المنخدع”، إذا كان بالفعل قد انخدع حين قال له ابنه هذا من وحي خيالي.

الاخبار العاجلة