يشعر مغاربة العالم، خصوصا المقيمين منهم في الدول المتقدمة، بحسرة كبيرة وهم يتابعون كيفية تعامل الحكومة المغربية مع حملة المقاطعة الشعبية الواسعة والناجحة التي استهدفت ثلاث شركات تهيمن على السوق الوطنية.
وتزداد حسرتهم وهم يعقدون المقارنات بين حكومة وطنهم وحكومات بلدان الهجرة، حكومات تحترم مواطنيها وتتجاوب مع أدنى حركة أو تعبير يقومون به.
يشعر المهاجر المغربي في البلدان المتقدمة، كما نشعر نحن هنا في الولايات المتحدة الأمريكية، أن الحكومة واعية بشرعيتها التي تستمدها من الشعب، وتوجه سلطتها لخدمة مصلحة الشعب، لأنه هو الذي يملك السلطة الحقيقية، بينما الحكومة هي الجهاز التنفيذي لاختياراته وإرادته. أما في بلادنا، فقد عايشنا مثل باقي المغاربة في الداخل والخارج، كيف انكشفت عورة حكومتنا أمام أول امتحان من هذا النوع، وأقصد المقاطعة الشعبية، فظهر هزالها إلى درجة يستشعر معها أي إنسان، مهما قل اهتمامه بالسياسة وأدبيات تدبير الشأن العام، أنها حكومة ضعيفة على كل المستويات، ضعيفة في التواصل وفي تدبير الأزمات، ضعيفة أمام الشركات الأجنبية، ولا تجد غير المواطن المقهور لتستعرض عليه عضلاتها.
إن حكومتنا المغربية قد وضعت شرعيتها على المحك، وباتت مفصولة على الشعب، والدليل على ذلك غرور أعضائها وتعاليهم عن المطالب الشعبية، وصم آذانهم عن صوت الشعب الذي تستمد منه سلطته ومشروعيتها، بدءا برئيس الحكومة ومرورا بالوزراء، سواء المسؤولون عن القطاعات المعنية مباشرة بالموضوع أو غيرها. فهذا وزير الاقتصاد المالية يرغي ويزبد في البرلمان دفاعا عن مصالح الشركات وليس عن مصلحة الشعب، وبلغ به التعالي درجة وصف الشعب بالمداويخ ومن داخل قبة البرلمان، وذاك وزير الشؤون العامة والحكامة المسؤول المباشر عن الأسعار يتباكى خوفا من مغادرة شركة الحليب للبلاد، ويتذرع بمصلحة الفلاح المغربي الذي تستغله هذه الشركة تماما كما تستغل المستهلك المغربي الذي تضررت قدرته الشرائية كثيرا منذ حكومة بنكيران، وقد ردت عليه الشركة نفسها بأنها لا تفكر في مغادرة البلاد، واصفة كلامه في مجلس المستشارين بغير المسؤول.
ولعل استنكار البرلماني عبد اللطيف وهبي عن الأصالة والمعاصرة لهذا الهزال الحكومي خير تعبير عن الواقع المرير الذي يعانيه المواطن المغربي مع حكومة تحكمه ولا تنصت لهمومه ومطالبه، بينما تدافع باستماتة عن الشركات التي تستنزفه، فهل هذه حكومة؟ هل هذه حكومة صاحب الجلالة؟ على حد تعبير البرلماني وهبي. لقد تحولت الحكومة كلها إلى محامي الشركات الأجنبية بدل حماية الشعب من تغولها، واتسعت الهوة بينها وبين المواطن حتى طلعت الوسوم بالآلاف على مواقع التواصل الاجتماعي وهي تتبرأ من الحكومة، فأغلبية الوزراء ورئيس الحكومة تهربوا منذ ثلاثة أسابيع من التعليق عن المقاطعة وكأن الموضوع لا يعنيهم أو أنه يقع في دولة أخرى، والذين نطقوا منهم لو صمتوا لكان خيرا، فقد كالوا السب والشتم والاحتقار لعموم الشعب المغربي، مما يضع شرعية الحكومة مجددا على حافة الهاوية.
كلما قارن مغاربة العالم بين حكومتهم وحكومات بلدان الاقامة، شعروا بالغصة والاختناق، وانتابهم الأسى من حال وطنهم، إذ لو حدث مثل ما حدث في المغرب منذ ثلاثة أسابيع لقامت الدنيا ولم تقعد، وربما استقالت الحكومة بأكملها، مع الاعتذارات وطلب الصفح، بينما في بلادنا يبقى المواطن هو الحائط القصير، حائط قفزت عليه الحكومة قفزتها الكبرى بعد المجلس الحكومي ليوم الخميس 10 ماي حيث خرج عليهم الناطق الرسمي باسمها بالتهديد والوعيد المقاطعين، دفاعا عن الشركات طبعا وليس عن المواطن، وهو أغرب شيء يمكن سماعه في القرن العشرين، حكومة تهدد شعبا يقاطع دفاعا عن قدرته الشرائية وضد الغلاء والاحتكار، وكأنها حكومة استعمارية وليست حكومة وطنية، فأي شرعية مازالت لهذه الحكومة؟ وأي سند شعبي ترجع إليه؟ وبدل معالجة الأزمة والانصات لهموم عامة الشعب تهددهم بالمتابعة القضائية.
خلاصة القول: أنصح زملائي مغاربة العالم بعدم المقارنة، لأن المقارنة تدمي الفؤاد وتعذب النفس، وتجعلك تكتئب لحالنا مع حكومتنا التي تهيننا وتهددنا، وحال شعوب العالم المتقدم مع الحكومات التي تنصت لهمومهم وتستجيب لمطالبهم وتحميهم من الاستغلال بشتى أنواعه.









