في مشهد يختزل عبث المرحلة واختلاط الأوراق، قرر مهنيّو الإعلام بإقليم سطات كسر جدار الصمت، عبر مراسلة النيابة العامة، احتجاجاً على ظاهرة لم تعد مجرد سلوك معزول، بل تحوّلت إلى “قطاع غير مهيكل” قائم الذات: انتحال صفة صحفي.
ففي مدينة يُفترض أن الكلمة فيها مسؤولية، والميكروفون أمانة، أصبح لقب “صحفي” يُوزّع بسخاء يفوق توزيع بطائق الإنعاش الوطني في سنوات الجفاف. يكفي هاتف ذكي، وصفحة فايسبوك، وقليل من الجرأة… أو كثير من الوقاحة، ليُصبح البعض “صاحب قلم”، بينما القلم بريء مما يُكتب باسمه.
من الصحافة إلى السمسرة… خط رفيع تم الدوس عليه
المعطيات التي ساقها مهنيّو القطاع تكشف وجهاً آخر أكثر قتامة:
أشخاص ذوو سوابق عدلية، وجدوا في “الصحافة” غطاءً مثالياً لممارسة النصب والابتزاز، تحت يافطة “معك صحفي خويا ”. عبارة قصيرة، لكنها كفيلة بفتح أبواب الإدارات، وإرباك موظفين، بل وابتزاز مواطنين بسطاء.
الأخطر من ذلك، أن هذه الظاهرة لم تقف عند حدود التشهير، بل امتدت إلى السمسرة في المؤسسات والمستشفيات والإدارات العمومية، حيث تحوّل بعض المنتحلين إلى وسطاء بين المرضى والمصحات الخاصة، مقابل “عمولة” تصل إلى 1000 درهم عن كل مريض يتم “تسويقه” نحو غرفة العمليات… وكأننا أمام وكالة أسفار، لا منظومة صحية.
التشهير كخدمة مدفوعة… والصمت كسلعة
في هذا السوق الرمادي، لم يعد التشهير فعلا عرضيا، بل خدمة تُعرض ضمن باقة:
ادفع… نغض الطرف.
ادفع أكثر… نُلمّع صورتك.
وإن لم تدفع… فـ”الفضيحة” جاهزة للنشر.
هي معادلة تُسيء أولاً إلى المهنة، قبل أن تسيء إلى الضحايا، وتحوّل الصحافة من سلطة رقابية إلى أداة ابتزاز، ومن رسالة نبيلة إلى “بيزنس” قائم على تخويف الناس.
مهنيّو الإعلام: كفى عبثاً
أمام هذا الانفلات، عبّر مهنيّو الإعلام بسطات عن استيائهم الشديد، محذرين من استمرار هذا الوضع الذي يضرب مصداقية المهنة في العمق، ويخلط بين الصحفي الحقيقي و”الصحفي المناسباتي” الذي يظهر عند الحاجة… ويختفي بعد قبض المقابل.
كما شددوا على ضرورة تدخل النيابة العامة بحزم، لوقف هذا النزيف، وترتيب الجزاءات القانونية في حق كل من يتاجر بصفة صحفي، أو يستعملها للإساءة إلى المواطنين أو ابتزازهم.
بين المطرقة والسندان… أين القانون؟
الأنظار تتجه اليوم إلى مؤسستي الوكيل العام للملك ووكيل الملك بسطات، باعتبارهما الجهتين المخول لهما قانوناً فتح تحقيقات وترتيب المسؤوليات. فهل نشهد حملة “تطهير” حقيقية تعيد للمهنة هيبتها؟ أم أن الأمر سيبقى مجرد مراسلات تُضاف إلى أرشيف الشكايات؟
الخلاصة… حين تتحول المهنة إلى قناع
ما يحدث في سطات ليس مجرد انحراف فردي، بل مؤشر على خلل أعمق: غياب الضبط، ضعف الردع، وجرأة “الدخلاء” الذين وجدوا في صمت البعض بيئة مثالية للتمدد.
الصحافة ليست بطاقة تعريف تُطبع في مطبعة سرية، ولا صفة تُكتسب بالهاتف واللايكات، بل مسؤولية أخلاقية وقانونية.
أما من اختاروا تحويلها إلى وسيلة للنصب والسمسرة، فقد آن الأوان ليُقال لهم، بلغة يفهمونها جيداً:
“اللعبة سالات… وحان وقت الحساب.”









